أحمد بن علي القلقشندي

417

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الرّوايات المروية سحائبه ، وخلف العلماء الأبيض فما « خلف الأحمر » ممّا يقاربه ، ولا « ثعلب » مما تضجّ لديه ثعالبه ، ولا « ابن خروف » مما يدانيه وهو « اللَّيث » ومن الأقلام مخالبه ، وبقية السادة القرّاء المنشد قول الحماسيّ : وإنّي من القوم الذّين هم هم إذا مات منهم سيّد قام صاحبه ! بدور سماء ، كلَّما غاب كوكب ، بدا كوكب ، تأوي إليه كواكبه ! ( 1 ) تعيّن أن يخطب لهذه المشيخة خطبة الفتى لاقتبال مجده والشّيخ لتوقيره ، ويطلب لهذه الرتبة طلبا يقضي الأمل فيه بعنوان تيسيره . فرسم بالأمر الشريف أن يستقرّ . . . : وضعا للأشياء في محلَّها ، ورفعا لأقدار الأفاضل إلى أعلى رتب الفضل وأجلَّها ، وعلما بمقدار هذا العالم السابق في أفق الهدى شهابا ، المدفّق على رياض العلم سحابا ، النّاقل إلى مجالس الاشتغال خطا يقول لها المؤمن بالإكرام والكافر بالإرغام : * ( يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) * ( 2 ) فليباشر هذه الوظيفة مباشرة مثله من ذوي الأناة والإفادة ، وكفاة المناصب الذين على سعيهم الحسنى وعلى الدّولة تصل الزّيادة ، وليسلك في الأشغال عادة نطقه الأحسن ، وليعامل طلبته في المباحث بغير ما ألفوا من الخلق الأخشن ، وليعلم أنّه قد جمع بين برّه وتربة الأمّ كي تقرّ عينها ولا تحزن ؛ فليسرّها بنبله ، وليبرّها بفضله ، وليوفرّ السّعي إليها كلّ وقت في المسير ، وليفسّر أحلام أملها فيه فمن مفردات علومه التّفسير ، وليحسن لتلامذته الجمع ، وليحم حمى رواياتهم من الخطأ ولا عجب أن يحمى حمى السّبع ! تاليا كلام ربّه كما أنزل وحسبه ، داعيا بنسب قراءته إلى ابن كعب ( 3 ) فحبذا نسبه المبارك وكعبه ، ناصبا بمنظر شخصه

--> ( 1 ) هذا الشعر منسوب إلى الشاعر الجاهلي : أبي الطَّمحان القيني . وقد أورد ابن خلكان بيتا بعد هذين : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وروى البيت الثاني ب : « نجوم سماء » بدلا من « بدور سماء » . ( أنظر وفيات الأعيان : 1 / 60 ) . ( 2 ) النبأ / 40 . ( 3 ) هو أبيّ بن كعب الصحابي الأنصاري المتوفى سنة 21 ه وفي الحديث : « أقرأ أمتي أبي بن كعب » ( الأعلام : 1 / 82 ) .